يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

494

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الأخلاق إلا عن الكرماء الحلماء . وأشجع الناس وأقواهم من ردّ غضبه بحلمه ، وقال عليه الصلاة والسلام : ليس الشديد بالصرعة « * » ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . وقال علي رضي اللّه عنه : الخير الذي لا شرّ فيه الشكر مع العافية والصبر عند المصيبة ، وكم من منعم غير شاكر ومبتلى غير صابر . ومن أمثالهم : الحلم مطية وطية . ويروى عن علي رضي اللّه عنه أنه قال لرجل : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك . وقال أيضا رضي اللّه عنه : الحلم لا يظهر إلا عند الغضب فمن أغضب ولم يحلم فليس بحليم . وقال الشاعر : ليست الأحلام في حال الرضى * إنّما الأحلام في حال الغضب يروى أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أسمعه رجل كلاما محرجا ، فقال له عمر : أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان ، فأنال منك اليوم ما تنال مني غدا ، انصرف يرحمك اللّه . وقال بعض العلماء : إذا لم تكن حليما فتحلم . ويروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ، ومن تخير الخير يعطه ، ومن توقّ الشرّ توقّه . وقيل للأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري ، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه ، فإذا برجل مكتوف ورجل مقتول ، فقيل له : هذا ابنك قتله أخوك هذا ، فو اللّه ما قطع كلامه ولا حل حبوته حتى فرغ من حديثه ، وأنشأ يقول : أقول للنفس تأنيسا وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم تزد كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ثم التفت إلى أخيه وقال : يا أخي أنت رميت نفسك بسهمك وقتلت ابن أخيك ، ثم قال لابن له آخر : قم يا بنيّ فوار أخاك ، وحل كتاف عمك ، واحمل إلى أمك مائة ناقة دية عن ابنها ، فإنها غريبة منا . ونوع من هذا : يحكى عن صلة بن أشيم أنه دخل عليه رجل وبين يديه طعام ، فنعى إليه أخاه ، فقال له : هلم ، فتعجب الرجل وقال : هل سبقني إليك بنعيه أحد ؟ . قال : نعم ، قول اللّه تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] و : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] .

--> ( * ) الصرعة ، بوزن همزة : من يصرع الناس .